التخطيط الدقيق واحترام الوقت والآلة وتقديس العمل – طباع ألمانية
14.02.2010  | أحمد خماس*   

دعم وتعاون \ العراقييون وألمانيا
E-mail   Print    
Plenarsaal


كان والدي يقول دوماً بلهجة تمزج بين المزح والجدّ: "إن كان الألماني محقاً في شيء ما  فالأفضل أن تفر سريعاً". وقد تولدت لديه تلك الحكمة من خلال خبرة عشرات السنين تعامل خلالها كمهندس مع مؤسسات صناعية ألمانية عدة.
في شيء ما فمن الأفضل أن يعترف له المرء بذلك فورا دون تردد أو تأخير – مع العلم بأنه لم يقصد بذلك الإعتراف "الشخصي" بتفوق الألماني، بل المقصود هو الإقرار بمضمون الشيء الذي هو محق فيه من حلٍّ فني أو إجراء تقني أو اختيار للتكنولوجيا المناسبة إلخ. إذ سيكون من الصعب إقناع هذا الألماني بأي حل آخر، بل يكون من الصعب عليه هو شخصياً حتى مجرد التفكير في حلول بديلة أخرى لتلك التي اقترحها، ومن ثم فإنه يواصل إصراره عليها شاقاً طريقه دون مبالاة بالعواقب.

إن تلك الفكرة السابقة وذلك التصرف الشائع لدى الكثير من الألمان غنما تعكس مدى قناعة الصناعة والصناعيين الألمان بأن تقنياتهم وآلاتهم ومنشآتهم يجب أن تعمل دوماً على أتم وأفضل وجه، وإلا فيتوجب استبدالها كاملة وعلى الفور. مع العلم بأنك لو تكلمت مع أحدهم فسوف يقول لك بأنه مقتنع تماماً بعدم وجود الحل الكامل والأمثل!
"صُنع في ألمانيا" ـ فخرٌ ومسؤولية وكما أنه لدينا في البلاد العربية تراثاً تاريخياً وثقافياً في مختلف الميادين، وهو تراث نحترمه ونمجده – فالآخرين لديهم تراثهم أيضاً، ولكننا ننسى ذلك أحياناً أو نعتبر أن تراثنا أكثر أهمية ووزناً من تراث الآخرين، وهو أمر غير صحيح. فكل منا يشعر تجاه أصوله وموطنه ومجتمعه بنفس المشاعر، وكما يقال في بلاد الشام "ما حدا أحسن من حدا". والتراث الألماني يضم إلى جانب مختلف أوجه الحضارة من فن وموسيقى وأدب، أيضاً تراثاً عريقاً جداً في مجال صناعة الآلات والآليات المختلفة التي تحمل علامة "صنع في ألمانيا Made in Germany" التي هي مبعث فخر واعتزاز الألمان.  ومن الأمثلة الشعبية المعروفة في ألمانيا في هذا السياق أنه "لا شيء يُعصى على السيد المهندس"، لكن الشعور بالمسؤولية تجاه هذا التراث التقني يشكل للألمان تحد مستمر، إذ ليس من السهل عليك حقاً أن تصنع دوما أفضل الآلات أو تحصل على أعلى مردود إنتاجي أو تطبق أكبر قدر من وفر الطاقة.
من شرف المهنة ـ التفكير قبل التنفيذ من معاني الشرف عند المهندس أو الاختصاصي الألماني أنه لا يعد بشيء قبل تأكده تماماً من قدرته على تحقيق ما وعد به، الأمر الذي يجعله يُجيب متسرعاً بالنفي عندما يُسأل عن تطبيق مشروع ما، وهذا أحد أهم الفوارق بين الطبع الألماني والطبع  الأنجلوسكسوني. فالألماني يستغرب مثلا كيف يتسرع بعض زملائه من البريطانيين أو الأمريكان في الموافقة فوراً على أي فكرة أو مشروع أو مخطط يطرح عليهم. فهم يقولون: "نعم، إنها عملية سهلة وبسيطة!" ... ليبتسم الجميع فرحين متفائلين، عدا ذلك المهندس الألماني (إن كان حاضراً)، والذي يصيبه المغص والدوار عندما يبدأ عقله التحليلي بتفكيك أسس ذلك المشروع المقترح، ويبدأ باستعراض الافتراضات وطرح كل الاحتمالات للصعوبات والمشاكل المتوقعة والمفاجآت غير السارة.

إن هذا لا يعني التردد لدى الألماني، بل إنه بطبيعته يفضل أن يستعرض أولاً وبكل تفصيل جميع المعوقات الممكنة، قبل أن يجلس ويبدأ عمله بالبحث عن الحلول المناسبة لكل مشكلة على حدة. عندها فقط، أي بعد وليس قبل هذا المسار الطويل والشاق أحياناً، ستجده مستعداً للموافقة على المشروع، لأنه لا يريد أن يَعد بشيء هكذا جزافاً، فمن شرف المهنة أن يفي بما يعد به. وهو لذلك يفضل أن يعد بـ 90 % ويطبق 100 %.
"احترام" الآلة من هنا يمكن لنا أن نفهم موقف الألماني تجاه العمل عامة والإنتاج الصناعي خاصة، حيث أنه يتعامل معهما بجدية تامة – كما تعلّم ذلك على يد والديه وفي المدرسة والجامعة لاحقاً. وهنا يتضح فرقاً مهماً في المفاهيم بين العرب والألمان: فكلمة (warten) التي تعني "الانتظار" تستعمل في بلادنا العربية بذلك المفهوم فقط، حيث أننا نثق بالآلة الألمانية ونحملها كل الجهد  وننتظر متكلين على ذلك حتى يحدث بها عطباً، حينها فقط نضطرب ونقلق وأحيانا ننتقد المنتجات الألمانية عن بكرة أبيها (لحين مجيء الخبير الألماني لتصليح الأمر، ولتعود الكرة من جديد).

لكن كلمة (warten) لها مفهوم آخر كثيراً ما يغيب عن بال العرب، وهو مفهوم "الصيانة الدورية" المستمرة – ذلك المفهوم المقدّر جداً لدى الألمان والذي يخفي أحد أسرار نجاح المنتجات الألمانية كالسيارات مثلاً. هذا المفهوم مطبق في جميع حلقات السلسلة الإنتاجية، حيث أن كل ما يتم إنتاجه أو تصنيعه له عمر مضمون ومحدد بشكل دقيق، يجب عند بلوغه استبدال القطعة بقطعة جديدة من نوعها.

ولا حرج علينا، نحن العرب، أن نعترف بأننا لم نُدرّب بعد على مثل هذه الأمور. فنحن نترك كل شيء ما دام يعمل على ما هو عليه، ومن ثم نندهش لو عطبت السيارة أو توقفت الآلة عن الدوران، مع العلم بأن الدول الصناعية قامت بتحديد دقيق لمدى فعالية وعمر كل قطعة تدخل الدورة التصنيعية والإنتاجية لتجنب تلك الحالات قدر الإمكان وجعلها استثنائية للغاية.

فالآلة الألمانية تعمل على أفضل وجه وبشكل موثوق ومستديم ليس لأنها آله خارقة، ولكن نظرا للتقيد الدقيق بدورات الصيانة المحددة (مع توثيق ذلك الفحص خطياً بالطبع!). وكم يكون ألم المهندس الألماني عندما يزور معاملنا، التي تفتقد ليس للصيانة المستمرة فحسب، بل وإلى "احترام" الآلة ومعاملتها بالشكل الطيب الذي نعامل به أطفالنا، الذين لا نرضى لهم إلا بأفضل ما لدينا وما بوسعنا. إن الخبير الألماني ليعجب لِما نتملكه نحن في الدول غير الصناعية من قدرة على تشغيل أحدث الآلات ونعجز عن إصلاحها في حال ظهور الخلل.
 



دليل الشركات الألمانية
التابع للموقع

لمحات عن الشركات
طلبات و عروض